تقرير بحث النائيني للكاظمي

61

فوائد الأصول

مع ثبوت المصلحة والمقتضى في تلك الأشياء ، والمراد من السكوت هو عدم جعل الحكم ، فمن المحتمل أن يكون المورد الذي أدرك العقل جهة حسنه أو قبحه كان من الموارد التي سكت الله عنها ، وربما يكون حكم بلا مصلحة في المتعلق ، كما في الأوامر الامتحانية والأوامر الصادرة تقية . وغير ذلك مما حكاه في " التقريرات " عن " الفصول " من الوجوه الستة التي أقامها على منع الملازمة الواقعية بين حكم العقل وحكم الشرعي والتزم بالملازمة الظاهرية ، ببيان أن مجرد احتمال وجود المانع والمزاحم لما أدركه العقل لا يكون عذرا في نظر العقل ، بل لابد من البناء على الملازمة إلى أن يتبين المانع والمزاحم ، فلو خالف وصادف عدم المزاحم كان عاصيا ، وهو المراد من الملازمة الظاهرية . هذا حاصل ما أفاده " صاحب الفصول " في وجه منع الملازمة . ولا يخفى عليك ضعفه ، فان الكلام إنما هو في المستقلات العقلية ، والعقل لا يستقل بحسن شئ أو قبحه إلا بعد إدراكه لجميع ماله دخل في الحسن والقبح . ودعوى أن العقل ليس له هذا الإدراك ترجع إلى منع المستقلات العقلية ولا سبيل إلى منعها ، فإنه لا شبهة في استقلال العقل بقبح الكذب الضار الموجب لهلاك النبي مع عدم رجوع نفع إلى الكاذب ، ومع استقلال العقل بذلك يحكم حكما قطعيا بحرمته شرعا ( 1 ) لأن المفروض تبعية الأحكام الشرعية

--> ( 1 ) أقول لا شبهة في أن العقل بعد استقلاله يدرك المفسدة الغير المزاحمة يقبح العمل ويلوم على فاعله ، ولكن مع ذلك لا يلزم أن يكون ذلك تمام المناط في حكم الشارع ، إذ ربما يرى الشارع مصلحة في صبره على ارتكاب العبد للقبيح لمصلحة أعظم في تسهيل الأمر عليه ، ومثل هذه المصلحة في صبر المولى على ارتكاب القبيح لا يوجب منع استقلال العقل عن حكمه بقبح العمل ، وإلا فلا قبح في البين ، كي يصير موضوعا لصبر المولى عليه ، ومجرد تبعية الحكم من المولى لمفسدة المتعلق لا ينافي ذلك ، إذ معنى التبعية عدم حكمه بدونها لا حكمه بمجرد وجودها ، كيف وهذا المعنى أول شئ ينكر ! . ومن هنا نقول : إن مبادئ الحكم لدى العقل ربما يكون دائرته أوسع من مبادئ الحكم العقلي لدى الشارع ، ومع هذا الاحتمال كيف يستقل العقل بالملازمة واقعا ؟ نعم : لا بأس به ظاهرا - كما أفيد - من جهة عدم إحراز وجهه ، كما هو الشأن في جميع صور مزاحمات التكليف ، فتدبر . ومن هذا البيان أيضا ظهر : أن العقل إنما يكون رسولا باطنيا في صورة إحراز أن الشارع اتكل في بيان مرامه بحكم عقله ، وإلا فمع احتمال عدم اتكاله عليه وأن صبره وسكوته عن إظهار مرامه لمصلحة أعظم من قبح العمل ، فكيف يكون العقل رسولا باطنيا ؟ كما لا يخفى .